القرطبي

139

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الرابعة - هذه الكراهة إنما تختص بما لا يكون من قبيل القرب والأذكار وتعليم العلم ، ومسامرة الأهل بالعلم وبتعليم المصالح وما شابه ذلك ، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف ما يدل على جواز ذلك ، بل على ندبيته . وقد قال البخاري : ( باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء ) وذكر أن قرة بن خالد قال : انتظرنا الحسن وراث ( 1 ) علينا حتى جاء قريبا من وقت قيامه ، فجاء فقال : دعانا جيراننا هؤلاء . ثم قال أنس : انتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى كان شطر الليل فجاء فصلى ثم خطبنا فقال : ( إن الناس قد صلوا وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ) . قال الحسن : فإن القوم لا يزالون في خير ما انتظروا الخير . قال : ( باب السمر مع الضيف والأهل ) وذكر حديث أبي بكر بن عبد الرحمن أن أصحاب الصفة كانوا فقراء . . . الحديث . أخرجه مسلم أيضا . وقد جاء في حراسة الثغور وحفظ العساكر بالليل من الثواب الجزيل والاجر العظيم ما هو مشهور في الاخبار . وقد مضى من ذلك جملة في آخر " آل عمران ( 2 ) " والحمد لله وحده . قوله تعالى : أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ( 68 ) قوله تعالى : ( أفلم يدبروا القول ) يعنى القرآن ، وهو كقوله تعالى : " أفلا يتدبرون القرآن ( 3 ) " [ النساء : 82 ] . وسمى القرآن قولا لأنهم خوطبوا به . ( أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ) فأنكروه وأعرضوا عنه . وقيل : " أم " بمعنى بل ، أي بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به ، فلذلك أنكروه وتركوا التدبر له . قاله ابن عباس : وقيل : المعنى أم جاءهم أمان من العذاب ، وهو شئ لم يأت آباءهم الأولين فتركوا الأعز . قوله تعالى : أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون ( 69 )

--> ( 1 ) راث : أبطأ . ( 2 ) راجع ج 4 ص 323 فما بعد . ( 3 ) راجع ج 5 ص 288 فما بعد .